ج2/ الحل ليس في الاعتماد على واشنطن وطهران للحفاظ على الهيمنة الطائفية السياسية بل في تعديل الدستور جذريا لتفادي الحروب الأهلية!

علاء اللامي

إن الخلاصة التي تقدمها لنا التجربة السويسرية هي أن الحروب الأهلية التي لا تنتهي بولادة دستور جديد او تعديل القديم ستندلع مجددا: فبعد تجربة الحرب الأهلية الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت سنة 1841 بادرت المؤسسة الدستورية السويسرية "البرلمان الاتحادي" الى إعادة كتابة الدستور سادةً بذلك كل الثغرات والاحتمالات التي يمكن أن تندلع منها حرب أهلية طائفية جديدة وقد نجحوا في ذلك أيما نجاح حتى الآن. لقد كتبت عن التجربة السويسرية ونظام حكم الديموقراطية المباشرة والدستور السويسري أكثر من نص، منها دراسة في أحد عشر جزءا نشرتها سنة 2005 بعنوان " قراءة في الدستور السويسري/ تجدون رابطها في التعليقات" ومقالة أخرى قبلها سنة 2004 بعنوان " تأملات في التجربة السويسرية أقتبس لكم منها الآتي.

(تنطوي التجربة السويسرية على الكثير من الخبرة الثمينة في حل ومعالجة قضية التنوع الطائفي الديني فالمجتمع السويسري يتألف وفق إحصائيات الثمانينات من القرن الماضي من أغلبية كاثوليكية تصل إلى 47% وأقلية بروتستاندية مهمة تفوق 44% وما تبقى هم من أديان ومذاهب أخرى، وهذه النسب ليست بعيدة كثيرا عن نسب التركيبة الطائفية العراقية. لقد ذاق السويسريون كأس الحرب الأهلية الطائفية المر، ولكنهم استخلصوا العبرة والدروس الإيجابية منها: فبعد نجاح الحركة الإصلاحية البروتستناندية التي قادها الداعية الشهير وابن مدينة جنيف جون كلفان  (Jean Calvin) سنة 1536 اكتمل انقسام المجتمع السويسري طائفيا، وحدث انشقاق عميق وسيروة فصل دامت قرابة الثلاثة قرون وتوجت باندلاع الحرب الأهلية بين سنتي 1841و 1848 . لقد اندلعت تلك الحرب بعد أن عقد المحافظون الكاثوليك ميثاقا رفضوا بموجبه الامتثال لأوامر السلطة التشريعية الاتحادية العليا، فأصدرت هذه السلطة أوامرها إلى القوات الاتحادية المسلحة بالقضاء على التمرد وتمكنت القوات الاتحادية فعلا وبقيادة الجنرال القدير "دوفور" من القضاء على التمرد بأقل قدر من الخسائر البشرية. وبمجرد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها حتى فُتِحَ الباب من قبل أهل التجربة ذاتها لمراجعة تجربتهم برمتها، فولد دستور سنة 1848 ذو المضامين الديموقراطية التقدمية النافذ المفعول حتى الآن، والذي استوعب وفهم واضعوه جميع دروس وعِبَر الحرب الأهلية (إضافة: وقد ترك المشرعُ البابَ مفتوحا أمام الشعب السويسري لإجراء أي تعديلات جديدة مستقبلا بموجب قواعد الديموقراطية المباشرة والتي لا تطبق في أي بلد آخر غير سويسرا والتي تعتمد على إجراء استفتاءات اتحادية أو كانتونية تخص كل كانتون "محافظة" على حدة، على جميع القضايا المثارة والتي تهم الشعب، صغيرة كانت أو كبيرة، على مدار السنة). يمكننا القول إذن أن الشعب السويسري ككل خرج منتصرا من الحرب الأهلية وعلى الحرب الأهلية واستفاد منها استفادة عظيمة حين حدد عددا من المبادئ والشروط التي تحكم عملية الاختلاف والتنوع الطائفي ومن ذلك :

*الأخذ بمبدأ التصنيف الوطني وليس الطائفي أو العنصري للأفراد في هيئات الدولة والسلطات الثلاث .

*منع الترويج لمذهب طائفي ضد مذهب آخر أو للغة ما ضد لغة أخرى وتحريم الترويج للكراهية وازدراء المذاهب والأديان الأخرى وأصحابها .

*حرية الأفراد والجماعات في اعتناق المذهب الديني الذي يختارونه .

*التسامح الديني والمساواة الواقعية بين الأفراد والجماعات .

*ليس من المستساغ أن يعلن أي كانتون عن هويته الطائفية أو اللغوية فيقول أنه كانتون كاثوليكي أو بروتستاندتي، ألماني أو فرنسي أو إيطالي ( ترتيب النقاط اعلاه من وضعي حسب أهميتها) .

لقد تمخضت الحرب الأهلية سنة 1841 عن دستور جديد، وضع الأساس المكين لتلافي الوقوع في حروب مدمرة أخرى، ولكننا حين نقارن تحليليا وتاريخيا بين المآل السويسري والآخر الذي آلت إليه مثلا الحرب الأهلية اللبنانية نرى لشديد الأسف أن هذه الأخيرة انتهت إلى ترسيخ النظام الطائفي الذي كان موجودا قبل اندلاع الحرب. الأمر الذي لا يعني أن مسببات الحرب الأهلية اللبنانية قد قُبِرت وانتهت، بل هي تخبو كالجمرة تحت الرماد، وفي ذلك درس وعبرة لمن يريد الاستفادة من تجارب الشعوب).

تذكروا هاتين الفقريتين السويسريتين (الأخذ بمبدأ التصنيف الوطني وليس الطائفي أو العنصري للأفراد في هيئات الدولة والسلطات الثلاث) و (منع الترويج لمذهب طائفي ضد مذهب آخر) وحاولوا أن تتذكروا الأمثلة العراقية اليومية على توزيع المناصب والتعيينات الرسمية في دوائر الدولة جميعاً ومن منصب مدير عام فما فوق، ولنتذكر أيضا حالات الترويج لمذهب ما ضد مذهب آخر وطائفة ما ضد اخرى مباشرة أو بشكل مباشر وتخيلوا كم سياسيا ورجل دين عراقيا يجب أن يقدموا الى المحاكم بتهمة خرق الدستور لو قدر لدستورنا أن ينص على مادة كهذه؟ وهل سيبقى نظام المحاصصة الطائفية الذي يلعنه الجميع ولكنهم متشبثون به تشبث اللص بحضور القسم، على طريقة (قالوا للحرامي احلف قال: جاء الفرج)؟

*بالمناسبة، سمعت قبل قليل أحد مهرجي الفضائيات الحزبية الطائفية وهو يتساءل ( لماذا يقال عن الحكم في العراق طائفي لأن الشيعة يحكمون، ولا يقال عن اليونانيين الأرثوذوكس طائفيين والذين يحكمونهم أرثوذوكس، وفي روسيا يحكم السلاف ( هو لا يفرق بين السلاف القومية والطائفة المسيحية الأرثوذوكسية في روسيا وحتى لينين بالمناسبة من أسرة أرثوذوكسية! وعدد أسماء دول أخرى في ذات السياق، هذا المهرج المعروف بشتائمه الطائفية لا يفرق بين مجتمع منسجم طائفيا وتحكمه أغلبية سياسية من طائفة واحدة هي الوحيدة أو الوحيدة تقريباً في المجتمع المعني، وبين مجتمع متعدد ومتنوع طائفي ومنقسم عموديا وأفقيا قوميا وطائفيا كالمجتمع العراقي ومن هنا، من هذا الغباء وضيق الأفق يأتي الخلط والخراب والكوارث الطائفية.

يا حضرة المذيع الذكي، إنْ أردت أن تقارن وضع مجتمعنا العراقي فقارنه بمجتمعات تعددية كالمجتمع اللبناني الذي يُحكم اليوم بصيغة مؤتمر الطائف والمكرس للمحاصصة الطائفية والذي يعيش على قنبلة الحرب الأهلية الموقوتة والتي يمكن أن تنفجر في أي يوم، أو قارن مجتمعنا بالمجتمع السويسري المنشطر نصفيا تقريبا بين الكاثوليك والبروتستانت ولا تقارنه بروسيا الأرثوذوكسية أو الجزائر السنية أو سلطنة عمان الإباضية أو إيطاليا أو فرنسا او إسبانيا الكاثوليكية من حيث الهويات الفرعية.

هذا عن التجربة السويسرية فماذا عن تجربة الجزائر الشقيقة؟ يتبع

فقرة من مقالة بعنوان " من تجارب الشعوب التي غيرت دساتيرها بعد الحروب الأهلية " تنشر كاملة لاحقا... شكرا لكم على المتابعة والمشاركة والتعليقات الرصينة والمفيدة كعادتكم.

رابط الدراسة الجزء الأول من دراستي " قراءة في الدستور السويسري":

http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=41576&r=0

رابط مقالة "تأملات في النموذج السويسري للديموقراطية المباشرة والدولة الاتحادية المحايدة"

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=28234