الديمقراطية الممكنة والديمقراطية المستحيلة: ننتخب ام نقاطع؟ (1)

عارف معروف

1- من المعلوم ان صيغة الحكم الديمقراطي ومؤسساته وقوانينه وكذلك آلياته من حقوق انتخابية وتصويت وتمثيل نيابي ، جميعا، نتاج مرحلة تاريخية معينه من تاريخ البشرية هي المرحلة الرأسمالية وهو مرتبط شديد الارتباط بالبنية الاقتصادية والاجتماعية لها وقد شكل اطارها او هيكلها السياسي الذي يعكس حاجاتها ووسائلها في الادارة والحكم.
2- لكنه مثل كل منتجات الحداثة يطابق ويشتغل بأكبر قدر من الكفاءة والجدية في البنية الاقتصادية والاجتماعية التي انتجته كحاجة وآلية وفي الوقت نفسه لا يمكن له ان يؤدي ذات الدور في مجتمعات اخرى بل وغالبا ما يتدهور الى شكل زائف وممارسة مفرغة من المحتوى شأنه شأن كل منتجات الحداثة في عالم سابق عليها. ان الفن والادب والاخلاق العامة والقوانين والقيم الاجتماعية وقواعد السلوك وكل شيء آخر من المنتجات القيمية والفكرية والسياسية والمؤسسية للمجتمع الغربي، الرأسمالي والصناعي (وذلك امر يشمل اليابانيين، ايضا، والذين يسميهم نعوم تشومسكي بحق، " بيض شرف " كناية عن انهم ليسوا اوروبيين ولكنهم يشاركونهم في مستوى وطبيعة البنية الاجتماعية) لا تشبه الاّ بالإسم او الشكل امثالها ومسمياتها في العالم الثالث ، وبالأساس عالمنا العربي خصوصا والاسلامي عموما.
3- ان هذا الامر هو سبب اساس للازدواجية التي نبدو عليها في كل هذه الامور وبالأخص في الشأن السياسي وهو الكامن ايضا في تكرار مسرحية فوز الحزب الحاكم او الزعيم المفدى او القائد الملهم او اخيرا الطغمة الطفيلية، في اي بلد من بلداننا ، بنسبة 99,99% من الاصوات . او نسبة مقاربة. اي ان الانتخابات لم تكن والحالة هذه الاّ وسيلة لاستمرار الموروث واسباغ شكل مناسب من الحداثة والمقبولية عليه ! 
4- لا تتناسب الديمقراطية فقط مع أساس اجتماعي اقتصادي يتطلبها كضرورة ويديمها كمؤسسة بل وتفترض أيضا نوعا من الوعي الاجتماعي المناسب وكذلك البنية الثقافية العامة التي تنسجم معها وتديمها كممارسة وقيم وتقاليد ، فلايمكن للجماعات البشرية التي تعيش على الرعي في الصحارى او تلك البدائية الصغيرة في أعماق الغابات ان تجد فيها حاجة او ضروة او تستطيع ان تمارسها كاسلوب للحياة السياسية فلهذه الجماعات منظوماتها السياسية التي انبثقت من حاجاتها الفعلية ولها القدرة على تلبيتها. وحتى في ظل حقيقة التأثر الشديد للمجتمعات التقليدية المعاصرة بمنتجات الحضارة والثقافة الغربية وتحول العالم على نحو متزايد الى قرية مترابطة في ظل وسائل الاتصال والتواصل الحديثة ، فما يزال التكوين الثقافي والقيمي والسياسي لهذه المجتمعات محتفظا ومحافظا ويملك دوافعه الأساسية في الوجود والاستمرار .و لن تكون بناه الثقافية والسياسية ، في افضل الأحوال ، الاّ بنى هجينه ومتداخله مع غلبه شديده لما هو تقليدي وتاريخي مالم تكن القاعدة الأساسية ، الاقتصادية وبالتالي الاجتماعية ، قد شهدت تغييرات مهمة ومؤثرة في هذه المجتمعات . على هذا الأساس فأن الديمقراطية وكل القيم والممارسات المرتبطه بها كما عرفها ويعرفها المجتمع الغربي مؤسسة وممارسة ، مستحيلة بالنسبة لنا وبالنسبة لكل البلدان التي تشترك معنا في التاريخ او الأساس الاقتصادي وانعكاساته الاجتماعية والثقافية ولا يمكن لها ان توجد او تستمر او ان تكون فعالة ومنتجة وحيّة بذات الدرجة والتاثير .
5- واذا كان غني عن البيان ان الديمقراطية ووسيلتها الانتخابات ، بالنتيجة ، تعاني الكثير من التزييف واعتماد وسائل عديدة تمنع من ان تكون حرة ونزيهة وبعيدة عن تأثيرات وارادة الطغم المالية والنخب السياسية والبنوك والمصالح الكبرى في مجتمعاتها ذاتها ( خذ مثلا الولايات المتحدة الامريكية ، ولاحظ شكاوى الكتاب والناشطين والمهتمين الامريكان من طبيعة قواعد توزيع القوة في اللعبة الانتخابية وكيف انها تصادر ، باستمرار ، وبمعزل عن التأثيرات المعروفة للإعلام والدعاية والمال السياسي وعبر القوانين والقواعد نفسها ، حرية وارادة نسبة كبيرة من المقترعين ) فكيف سيكون الحال في بلداننا ؟
6- ولكي لا نتجنى على الواقع او يتصور احد اننا نعادي الممارسة الديمقراطية او نجد في الدكتاتورية او الاستبداد تحت أي مسمى بديلا لها ، فأن بلدانا مثل العديد من دول اوروبا الغربية وكذلك اليابان بلغت فيها الممارسة الديمقراطية وآلياتها شأوا بعيدا من الجدية والشرعية والتمثيل الحقيقي والنسب العادلة ، وذلك ليس بفضل ميزة " اخلاقية " او موهبة ربانية تتمتع بها هذه الشعوب او خصلة فذة يتميز بها افرادها وانما بسبب التأثير المتفاعل والمشترك للقوانين الضابطة وتوزيع السلطات والقيم الاجتماعية وضرورات الحياة ومستوى التنظيم ودور الرقابة وطبيعة الاعلام ومساهمته والتربية العامة وغيرها في مجتمع صناعي حديث تطورت خلال قرون او في المئة سنة الأخيرة على اقل تقدير ، أي انها نتاج تاريخي كما اسلفنا واطار ثقافي وسياسي مناسب لقاعدة اقتصادية اجتماعية .
7- من المعروف في الطب والجراحة ، بل وامسى معلومة شائعة اليوم ، ان الجسم الحي يرفض قبول او التكيّف مع عضو غريب عند زراعة الاعضاء مثل القلوب او الكلى او غيرها الاّ بعد تكييف الحالة بإجراءات استثنائية لخفض مقاومة الجسم ونظامه المناعي ورفضه لهذا العضو ، ومع ذلك فغالبا ما كانت هذه العمليات لا تتكلل بالنجاح التام . ان نقل الديمقراطية ومؤسساتها، غير ممكن كذلك ، وستعقبه ، بلا شك عقابيل مشابهة لحالات الرفض المعروفة في عالم زراعة الاعضاء ، وهذا الرفض يتجلى بأشكال شتى ، اهمها واكثرها شيوعا هو التزييف وتغيير المهمة الحقيقية للديمقراطية ومؤسساتها وافراغها من جوهرها الحقيقي وغاياتها الاساسية .وستتناسب شدّة ذلك مع طبيعة كل مجتمع على حدة ومدى قربه او بعده عن الحداثة وبناها الاقتصادية الاجتماعية المعروفة وطبيعة اطرها الثقافية والسياسية . ان ممارسة الانتخابات لغرض عقد برلمان تأسيسي ، مثلا ، في افغانستان سوف لن يشبه كثيرا نتائج هذه الممارسة في تونس وهذه الاخيرة ستنتج شيئا مختلفا عن سواها في ابو ظبي او اليمن . ففي الاولى سيأتيك بنسبة كبيرة من زعماء القبائل ورجال الدين وقادة القوى المسلحة ولن يكون فيها للمرأة تمثيل الاّ بصورة مزيفة وكاذبة اما في الثانية فستكون هناك نسبة اوضح للقوى العاملة والشابة المرتبطة ببنية مجتمع حديث وبنسبة اقل من القوى التقليدية التي تمثل مضامين اجتماعية لمراحل سابقة على الرأسمالية و اما في حالة اليمن فستكون النسبة الغالبة للقبائل التي قد تتخذ لبوسا ينتمي الى الحداثة مثل الأحزاب لكنه سيبقى في جوهره قبليا ويعكس واقعا قبليا ، وغني عن البيان ان " ديمقراطية " ابي ظبي ستكون حكم المشيخة القبلية الصارم ، القديم والمتوارث ، حتى لو اتخذ شكل الحكومة الالكترونية !

(يتبع .....)