من أين تبدأ المعركة ضد الفساد في العراق ...؟

موسى فرج

مثلما لا يمكن للمرء أن يركب حصانين في آن واحد فإن العبادي لا يمكنه الاحتفاظ بود البطانة وتحقيق البطولة في محاربة الفساد ...بالرغم من استشراء الفساد طولاً وعرضاً وعمودياً وأفقياً في العراق إلا أنه وبعد حقبة المالكي التي أصرّت على إنكار وجود الفساد تارة واتهام القائلين باستشرائه بالانتماء للبعث ومهاجمة وتسفيه تقارير منظمة الشفافية العالمية تارة اخرى لم تجد ادارة العبادي بد من الإقرار باستشراء الفساد في اجهزة الدولة واستنزافه لمئات المليارات من الدولارات من موازنات الحكومة في حقبة سلفه ، ولكن لأن البطانة المحيطة بالمالكي في حينه هي ذاتها استمرت تحيط بالعبادي لاحقاً ودون تغيير يذكر فإن اللهجة تغيرت من إنكارٍ للفساد ومهاجمة القائلين باستشرائه الى التعمية والتمييع وإشاعة اليأس من إمكانية مواجهته وقد اعتمدت لذلك أساليب متعددة فهي تارة تقول بأن الفساد حالة عالمية لا تخلو دولة من وجوده وتارة تقول أنه بات ثقافة مجتمعية يتطلب الخلاص منها عقوداً وثالثة تقول باستحالة مواجهة الفساد في العراق ورابعة بتصنع البراءة من خلال التساؤل عن ماهية نقطة الشروع في مواجهة الفساد: هل هي معاقبة الفاسدين..؟ أم كشف ملفات الفساد..؟ ام تفعيل القضاء..؟ أم إعادة النظر بقوانين مكافحة الفساد ..؟ أم ..؟ أم ....؟. 
في الحقيقة كل تلك الممارسات والإجراءات الى جانب الشفافية في العمل الحكومي وتنشيط المشاركة المجتمعية واعتماد منهج المساءلة للقادة الحكوميين وتطبيق أسس الحوكمة مطلوبة للقيام بمحاربه حقيقية للفساد ولكن في ظروف العراق بالذات واتساقا وما نسمعه من حملة " اعلامية " يشنها رئيس الوزراء العبادي لما يعتقده بأنه حرب على الفساد فإن نقطة الشروع في حملته لمحاربة الفساد كان ينبغي أن تبدأ بالآتي :
1.تطهير المجموعة المحيطة به " مكتب رئيس الوزراء والأمانة العامة لمجلس الوزراء " فليس من المنطق – اذا كان صادقاً في حملته – أن يتهم حقبة سلفه بكل هذا الفساد وفي نفس الوقت يتخذ من البطانة التي كانت أذرع السلف ولها الباع الطولى في استشراء الفساد بطانة له ..الى جانب ذلك فإن أضخم ملفات الفساد المعلنة :
- المشاريع الوهمية (228 مليار دولار ).. 
-عقارات الدولة ( أقيامها تفوق الرقم الأول).. 
- تعيين الفاسدين والفاشلين في الدرجات الخاصة في أجهزة الدولة..
هي نتاج حصري للدائرتين المذكورتين أعني مكتب رئيس الوزراء والأمانة العامة لمجلس الوزراء .
2. ومن باب أولى تطهير المجموعة التي يعتمد عليها في القيام بـ " حملته " ضد الفساد من الفاسدين والفاشلين والمتواطئين والطابور الخامس .. 
3. استبعاد العناصر الفاسدة والفاشلة من المراكز الحكومية الحساسة ذات الصلة بالمال العام وأشير تحديداً الى البنك المركزي لأنه ليس من المنطق أن يكرر رئيس الوزراء القول بأن ما فقده العراق من جراء الفساد في مزادات العملة في البنك المركزي يفوق 100 مليار دولار ولا يحرك في إدارته ساكناً..
إن استبعاد العناصر الفاسدة والفاشلة من المراكز الحكومية الحساسة وتطهير عناصر حملته من العناصر الفاسدة والفاشلة يحقق فائدة مزدوجة تتمثل في فرملة قطار الفساد الجامح وإقامة سد بوجه طوفانه من جهة وتحقيق فاعلية عناصر "حملته" وتخليصها من الخونة والطابور الخامس من جهة ثانية وهو ما يتيح له المرونة في التحرك لتطبيق الصفحات الأخرى من صفحات محاربة الفساد أعني تفعيل القضاء واجهزة مكافحة الفساد ومعالجة الثغرات القانونية والإدارية التي تعيق مواجهة الفساد ،والمباشرة بوضع اسس الشفافية والمساءلة والحوكمة واشراك الشعب في الحكم ..الخ وإنجازها تدريجياً. 
لكن كل ذلك يتوقف على أمر واحد لا غير : هل أن النية والإرادة لمحاربة الفساد متوفرة حقاً في شخص رئيس الوزراء العبادي ...؟. 
في حملة تحرير الموصل الذي حصل هو البدء باستبعاد القادة العسكريين الفاسدين والفاشلين واستبدالهم بنزيهين أكفاء مهنيين.. فتحققت النتائج المشرفة ولو بقي الاعتماد على الغراوي وكَنبر لما تحقق شيء من ذلك ... 
لا توجد صيغة أكثر صدقاً للبرهنة على صدقية حملة العبادي من البداية الصحيحة والحقيقية للمواجهة وهي التخلص من البطانة الفاسدة لكن العبادي يريد ركوب الحصانين في آن واحد: ود البطانة وبطولة محاربة الفساد في العراق وقطعاً لا يمكن ذلك وأيضاً لا تتحقق محاربة الفساد من خلال الخطب الرنانة فقط . 
على هامش الحرب ضد الفساد في العراق :
أحدهم أطلق تصريحاً من الحلة قبل يومين قال فيه : "ان العراق يحتاج إلى رجال دولة وليس إلى مقاولي سياسة من الذين همهم بناء مشاريعهم الخاصة".. ولم ينتبه المصلح الأغر الى أنه شخصياً يرأس الائتلاف الذي يحكم منذ 14 سنه والذي يصفه بـ "مقاولي السياسة" ،وحزبه شريك أساسي في الحكم ...

الحوار المتمدن