لقاء مع الباحث العراقي هاشم داود:ترمب سيكون أكثر صدامية مع المسلمين وعدائية مع ايران ومتعاليا و إملائيا مع بغداد

هاشم داود

ترمب سيكون أكثر صدامية مع المسلمين وعدائية مع ايران ومتوجسة من الخليج، ومتعاونا مع موسكو ومتعاليا وملائيا مع بغداد ..الباحث بالانثربولوجيا السياسية هشام داود يتحدث لـ(العالم الجديد) عن مستقبل العلاقة بين العراق وإدارة ترمب...حاوره: منتظر ناصر

في ذروة اشتعال المواقف والخطابات "الترامبية" الشرسة، وتداعياتها الحادة والعاطفية، كان لابد لنا من مناقشة تلك التطورات بهدوء وعقلانية أكبر وصولا الى نتائج مثمرة في فهم المشهد السياسي بشكل أكثر وضوحا، واجراء حوار هادئ يبحث في الجزئيات ويستشرف المستقبل، لذا اقتنصت "العالم الجديد" حوارا قصيرا ومكتنزا مع واحد من أبرز المختصين في حقل الأنثربولوجيا السياسية العرب والأوروبيين وهو الباحث العراقي المقيم في باريس د. هشام داود، الذي وصف الأشهر الاولى من ولاية ترمب بأنها ستكون صدامية واستفزازية مع مسلمي العالم، عنيفة مع الجهاديين، عدائية مع ايران، متوجسة من الخليج، متعاونة نسبيا ومحليا مع موسكو، ومتعالية واملائية مع بغداد، عازيا اسراع الحكومة العراقية بتعيين وزيري دفاع وداخلية بعد أسبوع واحد فقط من وصول ترمب لادارة البيت الابيض وقبل أسابيع قليلة من زيارة رئيسها حيدر العبادي لواشنطن عزاه الى التخلص من تلك الضغوط المحتملة، كما لفت الى أن الولايات المتحدة لن تحترم الا الدول والحكومات المسؤولة، ذات الصدقية والمدافعة عن مصالحها، وهذا نص الحوار:

العالم الجديد: هل هناك رؤية عراقية للتغيير الذي حصل في واشنطن مع وصول دونالد ترمب الى البيت الابيض؟

د. هشام داود: للاسف بغداد بعيدة معرفيا عن واشنطن، ولا ارى عند مسؤولينا واصحاب القرار لدينا، لا في بغداد ولا  في اطرافها ادنى معرفة حقيقية بما يحصل في الولايات المتحدة والعالم. يكفي ان اقدم هنا مثالا واحدا. الجميع يعرف اهمية الولاياتت المتحدة بالنسبة للعراق، منذ 2003 على اقل تقدير (سلبا كان او ايجابا)، وما يعنيه وصول رئيس امريكي جديد الى البيت الابيض. ايام الانتخابات الامريكية، جل المستشاريات العالمية تقوي من حضورها ومن اعضاء سفاراتها، وتضاعف من لقاءاتها بالمسؤولين والمرشحين، وتحرص على حضور اجتماعات ومؤتمرات الحزبين الاساسيين (الجمهوري والديمقراطي)، الا العراق الذي قرر اربعة اشهر قبل الانتخابات انهاء خدمة سفيره المعتمد والمتمرس في واشنطن وابقاء وجوده الدبلوماسي في هذا البلد الحاسم من دون رأس منظم. الصورة تغييرت منذ قرابة الشهر مع وصول السفير الجديد الدكتور فريد ياسين الذي عرف بمهنيته وحسه العراقي.

أضيف بانه لا وجود لمعاهد ومؤسسات دراسات استراتيجية عراقية تقدم المشورة العلمية والموضوعية للجهات المقررة في العراق. حقيقة لا اعرف حتى اليوم كيف يتعاطى المسؤول العراقي مع الملف الامريكي (الا الطرف الكردستاني الذي كون ومنذ زمن بعيد (لوبي) ووجودا مؤثرا في العديد من العواصم المهمة في العالم).

العالم الجديد: كيف يرى الرئيس الامريكي الجديد دونالد ترمب العراق؟

د. هشام داود: ليس بمقدور احد حتى اليوم ان يقدم صورة منسجمة لتصورات دونالد ترمب الخارجية. عدا موقفه الثابت  من اسرائيل، كل الملفات الدولية الاخرى تبدو ظاهريا، وكأنها حفنة تناقضات، حتى الشخصيات الاساسية المكونة لادارته تختلفف بتصوراتها ومنطلقاتها الايديولوجية، فهناك المحافظ الواقعي، مقابل اليميني المتطرف جدا، والعسكري المغامر، والعنصري المجبول بالاسلاموفوبيا، والشعبوي الحالم بعزل امريكا عن العالم.

طوال حملته الانتخابية بقي دونالد ترمب وفيا لموقفه في وصف حرب العراق واحتلاله بانها اكثر القرارات الامريكية حماقة، بل ذهب به الحال حد اتهام الادارة السابقة بانها المسؤولة عن ظهور داعش (عبر تراكم الاخطاء)، ووصف سجن بوكا بأنه "هارفارد الجهادية". اليوم يرى ترمب بأن الازمة العراقية – السورية باتت على درجة كبيرة من التعقيد، وبالتالي يجب مواجهتها بشيء من الوضوح والحزم: فهو يتحدث عن "قلع وتحطيم" داعش والارهاب، التعاطي الايجابي مع روسيا في المنطقة (وخاصة في سوريا)، اعادة احياء فكرة ادارة مناطق النفوذ بينها وبين موسكو، الابقاء على التفوق الاسرائيلي الحاسم، مواجهة ايران في الخليج وربما في العراق والسكوت على تواجدها في سوريا، العمل على ارجاع تركيا الى الحيز الغربي – الامريكي دون انزلاقها اكثر نحو موسكو.

 

في المقابل، لا يخفي الرئيس الامريكي الجديد هلوسته بالنفط (يكفي السماع لخطابه الاول في مقر وكالة المخابرات المركزية الامريكية من ان ضياع النفط العراقي ليس نهائيا). في المقابل، فهو لا يكن ادنى احترام للطبقة السياسية العراقية التي يصفها بمجموعة من المرتشين والساسة الفاسدين والفاشلين. بطبيعة الحال، كان ذلك ابان الحملة الانتخابية. فهو يعي (رغم تهوره) اهمية وجود القوات الخاصة الامريكية في الموصل ومناطق اخرى من العراق، وربما سيزيد من قدراتها الميدانية، ولكن على بغداد ان تستعد لضغوطات امريكية مضاعفة وصريحة قد لا تقبل المماطلة، وبخلافها ستعمل واشنطن على تغيير سياسي اكثر انسجاما مع رغباتها الجديدة. طهران من جهتها استشعرت الديناميكية الجديدة هذه، واقدمت على سلسلة تغييرات منها تبديل سفيرها في بغداد بشخصية اكثر صدامية. بتعبير آخر، ستكون الاشهر الاولى من ولاية ترمب صدامية واستفزازية مع مسلمي العالم، عنيفة مع الجهاديين، عدائية مع ايران، متوجسة من الخليج، متعاونة نسبيا ومحليا مع موسكو، ومتعالية واملائية مع بغداد.

العالم الجديد: أولى قرارات الرئيس الامريكي هي وضع المواطن العراقي الراغب بزيارة الولايات المتحدة على رأس قائمة المهددين للامنها القومي. كيف نفهم ذلك؟

د. هشام داود: انه قرار بحجم غرابة الرئيس الامريكي ذاته، هناك اتفاق بين جل الحقوقيين في امريكا والعالم بأن  مرسوم دونالد ترمب الاخير بمنع دخول مواطني سبعة دول اسلامية الاراضي الامريكية (وعلى رأسها العراق)، ليس فقط منافيا للدستورر الامريكي، بل فيه شيء من العنصرية والاسلاموفوبيا. المؤسف أن العديد من دول العالم قد احتجت على إجراء ترمب الاخير إلا الحكومة العراقية التي خرجت، بعد أكثر من 48 ساعة ببيان باهت ينم عن الخجل اكثر من ان يشكل موقفا مسؤولا بالدفاع عما تبقى من سمعة العراق ومواطنيه. لا احد يستهين بقدرة واشنطن، ولا بحجم تأثيرها على العراق ومستقبله، ولكن علينا الاقرار بأن الولايات المتحدة لا تحترم في نهاية المطاف الا الدول والحكومات المسؤولة، ذات الصدقية والمدافعة عن مصالحها. وبخلاف ذلك فهي تتعامل مع ممثلي جماعات ومكونات همها الدائم الدعم الخارجي والضروري لبقائها وتقاسمها لسلة المال والجاه.

 

 

العالم الجديد: هل لدى الرئيس الامريكي الجديد رغبة بتغيير خارطة المنطقة وظهور دول جديدة؟

 

د. هشام داود: حتى اللحظة، لم تظهر من تصريحات دونالد ترمب ادنى رغبة بدفع المنطقة الى التقسيم وظهور دول  جديدة (هذه الرغبة، في المقابل، موجودة لدى بعض قادة الحزب الجمهوري). بل نرى العكس، فهو من انصار عودة الدول التسلطية ذاتت النواظم والمراكز القوية، لنتذكر استقبال عبد الفتاح السيسي له يوم كان مرشحا للرئاسة وما قاله بحق هذا الاخير. تقارب بوتين –ترمب ليس فقط براغماتيا، بل ايضا ينم عن تغيير كبير حاصل في الواقع السياسي العالمي والذي يمكن ايجازه بعجالة بأن العولمة الليبرالية المهشمة للدولة والهويات الجامعة لم تجلب الا المزيد من النزاعات والحروب الاهلية.

 

ضمن هذه الجوقة الغريبة نرى تناغم رجب طيب اردوغان وتصاعد قوة الحركات الشعبوية والقومانية حتى في العالم الغربي، ولو كان لدى دونالد ترمب من خيار (وهذا مجرد حدس) لفضّل اياد علاوي على بقية السياسيين العراقيين لهذا الاعتبار. وربما نقرأ إسراع الحكومة العراقية بتعيين وزيري دفاع وداخلية بعد أسبوع واحد فقط من وصول ترمب للبيت الابيض وقبل اسابيع قليلة من زيارة السيد العبادي لواشنطن خير دليل على ذلك.

تعريف: د. هشام داود باحث مختص في الانثروبولوجيا السياسية لدى المركز القومي الفرنسي للبحوث العلمية - باريس (CNRSS). والمدير المناوب للهيئة الدولية للخروج من العنف. كما يعمل مديرا مساعدا في مرصد التطرف التابع لمؤسسة دار علومم الإنسان FMHS مشرفا على قسم الشرق الأوسط.

أكمل دراسته العليا في باريس في المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية EHESS ومدرسة المعلمين العليا ENS. عمل قرابة عشر سنوات عضوًا في هيئة تحرير مجلة الفكر الفرنسية La Pensé. إلى جانب مساهماته المنشورة في العديد من المجلات الأوربية المتخصصة في العلوم الاجتماعية، وله العديد من المؤلفات والابحاث المنشورة باللغات العالمية الاساسية، خاصة في مجال العشائر والسلطات (أخيرا ابحاثه عن العشائر في ارض الجهاد)، اثنيات ودول في الشرق الاوسط، ايضا عن نظم القرابة والسياسية في المنطقة العربية. صدر له كتاب باللغة الفرنسية عنوانه  "الثابت" العشائري: تنويعات عربية – إسلامية. وساهم في العديد من المؤلفات المشتركة، ومنها بخاصة: قبائل ودول في الشرق الأوسط (بالإنكليزية)؛ المجتمع العراقي: مجاميع، سلطات وعنف الصادر بالغة الفرنسية ثم صدرت ترجمته العربية بعنوان: حفريات سوسيولوجية في الإثنيات والطوائف والطبقات.

عن العالم الجديد