هل سلمت بغداد ملفات مياه دجلة والفرات إلى السفارة الأميركية للتفاوض مع تركيا نيابة عنها؟

علاء اللامي

هل سلمت بغداد ملفات مياه دجلة والفرات إلى السفارة الأميركية للتفاوض مع تركيا نيابة عنها وسلمت معها ملفات الاقتصاد للوكالة الأميركية للتنمية؟ يقول الخبر (كما ورد في تقرير مطول نشرته يومية" العالم الجديد" البغدادية في عددها ليوم 4 شباط الجاري، إن السفارة الأميركية دعت عددا من الصحافيين العراقيين إلى جلسة موسعة أو "ورشة عمل" كما سماها أحد الصحافيين العراقيين، مع المسؤولين الأميركيين فيها وفي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في العراق. وقد تحدث المسؤولون الأميركيون عن أمور عدة منها موضوع مياه الرافدين والاقتصاد و"الحكم اللامركزي" في العراق. وللإجابة على هذا السؤال (هل سلمت بغداد ملفات مياه دجلة والفرات إلى السفارة الأميركية للتفاوض مع تركيا نيابة عنها وسلمت معها ملفات الاقتصاد للوكالة الأميركية للتنمية؟) دعونا نقرأ ما باح به المسؤولون المذكورون ولنبدأ بالخبر الأهم المتعلق بالدور الأميركي الجديد في موضوع أزمة مياه دجلة والفرات المتفاقمة خصوصا بعد اقتراب موعد تشعيل سد "أليسو" التركي العملاق والذي سيحرم العراق من نصف مياه دجلة المتناقصة أصلا. ولعل الأخطر من مشروع تقسيم العراق حسب المخطط الأميركي الجديد الذي يحمل اسم " الحكم اللامركزي" بالنكهة الأميركية الترامبية هو تصحيره وربط مصير مياه الرافدين دجلة والفرات وروافدهما بالتفاوض المباشر بين أميركا وتركيا. هذا ما يفهم مباشرة مما ذكره مستشار السفارة للشؤون الاقتصادية لاري ميموت بخصوص مياه دجلة والفرات. قال ميموت (إن الولايات المتحدة تخوض مفاوضات مع الجانبين العراقي والتركي بخصوص الموارد المائية وحصص العراق منها) وللتغطية على مضمون كلامه أضاف الجملة الدبلوماسية ناعمة الملمس التالية (وإن الأمر خاضع للبلدين الجارين ونحن نقوم بدور مساعد فقط). والحقيقة التي يجب أن يعرفها العراقيون مبكرا وقبل أن يقع الفأس في الرأس هو أن حكومة المحاصصة التي تهيمن عليها الأحزاب الطائفية الشيعية وقياداتها الجاهلة والمشبوهة إذا تنازلت فعلا عن ملف مياه دجلة والفرات وسلمته للإدارة الأميركية لتتفاوض حوله مع تركيا، وهذا امر مرجح جدا فإنها تكون قد ارتكبت فعلا فاضحا وخيانيا، وإلا لماذا لم تعلن حكومة المنطقة الخضراء شيئا عن هذه الوساطة؟ وما الذي يمكن أن تقدمه واشنطن التي تمر علاقاتها مع أنقرة في أسوأ حالاتها هذه الأيام؟ وحتى على افتراض أن واشنطن حصلت على تنازلات معينة من تركيا في موضوع المياه فهل ستقدمها مجانا لحكام المنطقة الخضراء أم انها ستستعمل تلك التنازلات كمشنقة وانشوطة لهم تشدها متى خالفوا تعليماتها؟
أما بخصوص ملفات الاقتصاد فيبدو أن الكارثة لا تقل عنها في موضوع المياه حيث ستكون الوكالة الأميركية للتنمية الدولية هي المتحكم المباشر بالحكومة العراقية. لنلق نظرة على هذه الوكالة ولنتعرف عليها من خلال تعريفها الرسمي المعلن، فهو يقول: الوكالة الأميركية للتنمية الدولية هي (إحدى وكالات الحكومة الأمريكية المستقلة من الناحية الفنية، إلا أنها تخضع لتوجيهات السياسة الخارجية لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية ووزير خارجية الولايات المتحدة ومجلس الأمن القومي. يعمل مدير الوكالة ضمن توجيهات السياسة الخارجية وصلاحيات وزير الخارجية. حددت الوكالة أهدافها بأنها تتضمن توفير المساعدة الاقتصادية والتنموية والإنسانية حول العالم لدعم تنفيذ السياسات الخارجية للولايات المتحدة"..." تعمل الوكالة في أفريقيا وآسيا والشرق الأدنى وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وأوروبا وأوراسيا...)
ولكي نأخذ فكرة عن الدور الخطير والتخريبي لهذه الوكالة يمكن ان نتذكر دورها الحاسم في تدمير ما تبقى من الاتحاد السوفيتي خلال فترة الرئيس اليميني بوريس يلتسن. وحين وصل فلاديمير بوتين إلى الحكم سنة 2012 كان أول قرار اتخذه هو طرد هذه الوكالة من روسيا وإغلاق مقرها وختمه بالشمع الأحمر بعد ان تسببت برامجها وخططها التي طبقها يلتسن بتدمير روسيا تدميرا شبه تام. 
إن أعمال وأنشطة هذه الوكالة التخريبية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في العديد من الدول في أميركا اللاتينية وأفريقيا الخاضعة لحكم الطغم العسكرية وفي جنوب فيتنام قبل التحرير معروفة لدى الباحثين المتخصصين وحتى لدى عامة الناس في تلك البلدان. وقد كشف ممثل هذه الوكالة في العراق مايكل نيرباس، عن تنسيق وعمل مشترك لهذه الوكالة مع حكومة العبادي وأنها قامت بـ "تقديم ثلاثة مستشارين لرئيس الوزراء حيدر العبادي للنهوض باقتصاد البلاد"، مضيفا أن "أحد المستشارين يساعد في مجال قروض النقد الدولي، والآخر يعمل مستشارا لدعم القطاع المالي، والثالث يقدم الاستشارة لتجنب ما يضر بالاقتصاد العراقي). وبربط جهود الوكالة الأميركية للتدمير مع صندوق النقد الدولي المعادي للشعوب يتضح بجلاء إلى أين تقود حكومة بغداد العراق!
ولتفكيك العراق نهائيا، بعد فشل محاولة الانفصال البارزانية المدعومة إسرائيليا تركز الوكالة الأميركية ومعها السفارة الأميركية على تحقيق هذا الهدف عبر شعار جديد هو "تحقيق نظام اللامركزية في الحكم في العراق" وهذا ما أعلنه صراحة ممثلها في بغداد مايكل نيرباس. نعود الى التقرير الإخباري حول هذه الورشة الأميركية والمنشور في جريدة" العالم الجيد البغدادية – عدد 4 شباط/ فبراير 2018، ونقرأ فيه الآتي (وفيما أشاد نيرباس بـ"خطوات العراق نحو اللامركزية" وعدّها "طفرة نوعية في ظل الحرب التي يعيشها، وأنه سائر في الطريق الصحيح"، نوه الى أن "كندا انتظرت 40 عاما وهي في حالة سلام، حتى وصلت الى اللامركزية) ومعلوم ان كندا تقف اليوم على عتبة الانقسام الرسمي الى دولتين إنكليزية في الشمال وفرنسية في إقليم كيبيك في الجنوب وهما دولتان في الواقع وعلى الأرض كما هي حال الدويلات الثلاث الشيعية والسنية والكردية في العراق!
نكرر السؤال: هل سلمت حكومة العبادي ملف دجلة والفرات الى واشنطن؟ إن الساسة الشيعة وحلفاءهم من الساسة السنة والكرد ، أثبتوا انهم أجبن من أن يعترفوا بذلك، وهم غير مدركين أن أميركا حتى إذا دفعت تركيا الى تقديم بعض التنازلات في ملف المياه فإن العراق سيدفع الثمن لأميركا غاليا، وسيكون هو وأنهاره وكل ما فيه مربوطا وتابعا لها ورهينة بيدها تهدده بسحب تلك التنازلات في أي وقت تشاء أو في أي وقت يطالبها العراقيون فيه بسحب قواتها العسكرية من العراق! أليس من الأفضل والأشرف والخالي من المخاطر لحكومة المنطقة الخضراء أن تحاور انقرة مباشرة وتهددها بتدويل القضية إذا رفضت الانصياع للقوانين الدولية واعترفت بحقوق العراق المائية بموجب معاهدة رسمية؟
إن هذه التسريبات حول المخطط الأميركي الثلاثي للسيطرة على ملف المياه والتحكم بالاقتصاد وإعادة تركيب البنية الإدارية للدولة العراقية تؤكد بقوة أن مرحلة جديدة من مراحل تدمير العراق قد بدأت. وإن خطة طريق أميركية قد وضعت فعلا، وسوف تولى تنفيذها الكتلة الفائزة في الانتخابات القادمة ورئيس الحكومة القادم بغض النظر عن اسمه واسم حزبه مع انه معروف ويخضع لعملية تلميع مستمرة في الإعلام الأميركي، ويمكننا دون تردد تسميتها مرحلة " الاحتلال العميق للعراق" ودون اللجوء للقوة العسكرية إلا عند الضرورة القصوى. وإن الحكومة العراقية ورئيسها وحزبه والأحزاب الشيعة معه وحلفاءها إذا لم تعلن موقفها صراحة من هذا المخطط وتتبرأ منه وتقاطعه وترفض أي دور أميركي في هذه الملفات الثلاثة فستكون مسؤولة عما سيحدث وستستحق المزيد من لعنات الأجيال العراقية القادمة.
ولنا عودة إلى هذا الموضوع مع وثائق أخرى حول هذا الموضوع وحول جرائم الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بحق شعوب العالم ولنطرح السؤال الكبير بعد ذلك: فهل دخل مخطط تدمير ما تبقى من العراق وربطه نهائيا بالفلك الأميركي مرحلته الأخطر وأي دور سيسند تنفيذه لحيدر العبادي وحلفائه في حكم المحاصصة الطائفية والذي تبذل واشنطن جهودها ليفوز للمرة الثانية برئاسة مجلس الوزراء؟