إنقلاب  8 شباط 63 .. رؤية ما بعد الخمسين ( 2 – 3 )

نصير المهدي *

يقول المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي : المؤرخ أكبر خائن للتاريخ  ويعني أن المؤرخ مهما كان موضوعيا ومحايدا فلابد وأن يضفي على الوقائع رؤيته الخاصة  وما يختزنه في نفسه من موقف فما بالنا بصاحب الرأي ولست لأدعي لنفسي مهمة المؤرخين ولكن مما لا شك فيه بأن لي رأيي في مثل تلك الأحداث التي مر بها العراق وتركت آثارها على سنواته اللاحقة الى يومنا هذا وقد أردت من طرح هذا الرأي أن أحرك ساكن النظرة الأحادية لتطورات جسيمة حكمت مصير المنطقة برمتها ونقد التناول السطحي بل وحتى الساذج لأحداث بمثل تلك الأهمية والضخامة .

لقد إلتهمت نيران الصراعات الحزبية في العراق الآلاف من أبنائه عبر فترة من الزمن وجيزة لا تتعدى نصف القرن وذهب أبرياء كثيرون نتيجة الإستهانة بالدماء والأرواح ومازال الكثيرون يذهبون لنفس السبب وبنفس الرخص في الثمن ذلك أن قيمة حياة الإنسان والوزر الثقيل للدم لم يصبحا ثقافة عامة عند الإنسان العراقي ولقد رأينا على إمتداد العقود التي مضت ومنذ ثنائية التقدميين والرجعيين أو الأحرار وأذناب الإستعمار وصولا الى الروافض والنواصب وعند الحديث عن جرائم بشعة وإبادة جماعية وضحايا بدون ذنب يستحق التضحية بأرواحهم وحق حرمان الآخرين من الحياة  فإن العنف حينما يطال الآخر المختلف سيجد من التبريرات والتسويغات ما لا يحصى عدده وحينما يتحدث طرف سياسي عن جرائم ومجرمين فإنه يعني جرائم الطرف المقابل بحقه أما جرائمه هو فتصبح مادة للتفاخر والتباهي في أيام الصعود وحق مكتسب أيام الإنكسار ذلك أن حزبا أو جهة سياسية ماداما يحملان أصولية القول بالحق المطلق فإن هذا يبيح لهما أي جريمة حتى لو كانت قتل البشر لقد رأينا في خضم الصراع السياسي العنيف كيف أن شاعرا عملاقا بقامة الجواهري وهو يهتف : فضيق الحبل واشدد من خناقهمُ ...  فربما كان في إرخائه ضررُ مخاطبا بها عبد الكريم قاسم بعد أن خص بها حكمت سليمان قبل عشرين عاما من زمن الأول ثم وبعد كل التجارب المريرة والدموية التي مر بها العراق يتبارى الكتاب والشعراء في هذه المناسبة التي نكتب عنها اليوم لمعاتبة قاسم لأنه لم يستخدم الإعدام بما فيه الكفاية والى درجة ترضي تعطش هؤلاء الكتاب والشعراء المستمر الى الدم مع أنه لم يقصر في هذا المجال خلافا لما تشيعه الدعاية السياسية سواء مباشرة أو بفتح الشوارع للفوضى تقتص من خصومه وتنزل بهم عقوبة الموت .

والعلة أساسا إجتماعية  فمجتمع تسوده روح البداوة والقبلية نقل عصبياته تلك الى العمل الحزبي وهذا ما يفسر أن عوائل بل عشائر بمجموعها تنتسب بالجملة الى حزب سياسي ويتوارث الناس إنتماءآت أهليهم ولا يستبعدن أناس يموتون في معترك السياسة ولا يدرون حتى لحظات الموت سببا حقيقيا لخياراتهم السياسية  وقد طغت في عالم السياسة مثلما لاحقا في دنيا الدين أصولية سياسية إستبدالية تعتقد بخطأ الآخر بمجمله وتزيحه فكرا ووجود فيزيائيا وحتى تاريخا لتحل محله بديلا تراه صوابا وحقا كليا إنه تاريخ الإستبداد الشرقي وقد إختلط بالمستوردات النظرية والعملية فكان نتاجه عنفا سياسيا منفلت العقال خاصة وأن التغيير الذي طرأ آنذاك على العراق لم يؤسس لبديل يراعي الخصوصيات في المجتمع ويحاول أخذ طريق وسط يجمع بين المتناقضات في المجتمع وعالم السياسة ولكن لأن السلطة وتعزيزها كان الهدف الاعلى للحاكمين الجدد فإنه قد تم إستقطاب القوى السياسية وخاصة الحزبين الأهم في العمل السياسي يومذاك الشيوعي والبعث الى معترك هذه الصراعات وكان لهما أيضا أهدافهما الخاصة بهما فضلا عن أجندات خارجية للحزبين معا وقد تضافرت هذه الأمور مع عوامل أخرى من بينها أن قيادات الحزبين وكوادرهما جاءت الى العمل السياسي العلني من السجون والأوكار السرية معزولة عن حركة الناس اليومية وبعيدة عن أي خبرة بالعمل السياسي العلني والشرعي  كما أن متوسط أعمار قادة الحزبين كان لا يتجاوز منتصف الثلاثينات من العمر بروح الحماس والإندفاع ونقص التجربة فضلا عن طابع عقائدي أصولي يترك بصماته الواضحة على حركة الحزبين ومهما قيل عن إختلافات في التوجهات الفكرية والنظرية فإن الإختلافات تبقى نسبية لأن الحزبين كليهما ينتميان الى المدرسة الشمولية التي تقوم على الإنضباط الحديدي وإنعدام الحياة الديمقراطية الداخلية في صفوف الحزب وتسليم المنتمين بقدرة الحزب على إجتراح الحلول المناسبة لكل مسألة وشق الطريق القويم وتلقين المبادئ والأفكار التي يجب أن يحصر المناضل عقله بين حدودها في كل مرحلة من حركته وصولا الى الأهداف المرجوة من نضال الحزب  ومع أن أنصار كل فريق لن يجد صعوبة في كتابة مجلدات في بيان إنحراف الفريق الآخر إلا أنهما معا كانا من مدرسة واحدة رغم التباينات النسبية وفوق كل ذلك ينتميان الى نفس القاع الإجتماعي " السوسيولوجي " الحاكم على سلوكيهما معا من حيث إنتمائهما الى نفس المجتمع وطبيعة تطوره والتقاليد والأعراف السائدة فيه  ولا يقلل من أهمية هذه الحقيقة أن كل طرف يحاول أن يبرز مثالب الطرف الآخر ويبالغ مقابلها في محاسنه  دونه .

إن من نافل القول الحديث عن غياب حقوق الإنسان وأهمها حقه في الحياة من قاموس الاحزاب الشمولية الأصولية رغم علمانيتها التي إشتقت لها طريقا خاصا في دينها صنعته هي لنفسها وصارت القناعات السياسية والأيديولوجية ترقى عندها الى منزلة الدين المقدس وزاد من غياب الإهتمام بحقوق الإنسان أن مفهوما ساد في تلك الحقبة وهي ما يسمى في أدبيات الأحزاب الشمولية بالعنف الثوري مقابل العنف الرجعي بحيث يسوغ كل طرف لنفسه أن يرتكب من أنتهاكات حق الإنسان في الحياة ما يشاء تحت هذا العنوان الغامض واللا أخلاقي ناهيكم عن اللاقانوني واذ بدا من سيرة الحزبين التي تسجلها وقائع التاريخ وشهادات العيان بأن لكل منهما مجازره الخاصة به سواء عبر تنظيماته السرية أو مليشياته العلنية والرسمية حيث ذاك في المقاومة الشعبية وهذا في الحرس القومي ومع أن الإختلاف في السلوك أو الضحايا قد يكون كميا أو نسبيا إلا أنهما معا سيخرجان من تجربة قصيرة أحدهما في ظل عبد الكريم قاسم والأخرى تحت سلطة عبد السلام محمد عارف مثقلين بدماء الضحايا الأبرياء وهنا سنجد مفارقة أخلاقية صارخة أن كلا من الطرفين إذ يبرر جرائمه بدفع خطر المتآمرين يحاول توجيه سهام الإدانة الى الطرف الآخر وحده ويبالغ في قسوته حتى ليبدو أمامه وكأنه حمل  وديع وواقع الحال يثبت بأن الأمر لم يكن كذلك سوى أن العصبية القبلية وقد أتخذت عنوان الحزب تحاول تبرئة ساحتها ورمي الوزر على الخصم فيصبح مدانا مرتين واحدة لأنه قتل من هذا الطرف وأخرى أيضا لأنه قُتل على يديه ذلك أنه تآمر أو بدأ بالعنف كي يدفع الآخر الى الرد عليه وتصفيته هذه مفارقة تبقى حاضرة وبقوة الى يومنا هذا حيث مازال العنف السياسي ليس آخر الدواء بل أوله في مجابهة الخصوم وخطايا اليوم تستند الى جرائم الأمس التي تناولتها الأدبيات السياسية للمتصارعين بإزدواجية فاضحة إذ إستطاعت أن تأتي على نفسها فإنها تتنصل من العمل وحسب برميه على جماهير مندفعة ومتحمسة أو عناصر مندسة  وكفى بذلك الحزبيين مؤونة الإعتذار للضحايا كحد أدنى لتجاوز الخطأ فكيف بالجريمة .

وفي خلفيات الصراع السياسي وهو صراع سلطة كانت تكمن الشعارات الكبرى وخاصة مسألتي الإشتراكية والوحدة وقد صور الطرفان نشاط الطرف الآخر وكأنه قطع للطريق على مسيرته نحو تحقيق ذلك الهدف المرجو وقد أثبتت التجربة التاريخية أن الشعار المرفوع لم يصل أدنى درجة من التحقيق في تجارب الحزبين وبالقدر الذي أنجزت فيه تجارب فاشلة ومؤقتة بعض النجاحات فإنها لم تكن تستحق مثل تلك التضحيات وفي مقدمها أثمان باهضة دفعتها الشعوب التي رزحت تحت نير التجارب الشمولية سواء تسمت شيوعية أو بعثية وفي كل التجارب التي تبنت الخيار الإشتراكي فإن نموذجا بائسا من رأسمالية الدولة قد تم بناؤه بهدر الكثير من الموارد النادرة وتسلط أنظمة قمعية مسخت الإنسان وحولته الى مجرد آلة صماء تعاني من الخوف والجوع مقابل سراب موهوم اسمه الإشتراكية ورغم أن بلدان أوربا الشرقية كانت أكثر تطورا ووفرة في الموارد والإمكانات فإنها إنتهت الى فشل ذريع بعد أن أنهكت الطبقة العاملة في بلدانها لتقديم " فائض القيمة " وصمة الإستغلال التي ألصقها كارل ماركس على جبين الرأسماليين الى طبقة بيروقراطية طفيلية تسلطت من خلال الأحزاب الشمولية على هذه المجتمعات وقد إستعارت التجارب القومية في المنطقة العربية هذا الطريق المكلف في تجاربها السلطوية لتنتهي حكما الى أنظمة لا تمتلك غير القمع وسيلة لتسلطها ونهبها لموارد بلدانها في موجة فساد عاتية بعد أن عجزت عن تقديم حلول لمشاكل شعوبها وبلدانها والطريف أن عبد السلام عارف عندما أراد إستنساخ التجربة المصرية في التأميمات التي سميت إشتراكية والمستنسخة بدورها من التجربة اليوغسلافية وقرن هذه الخطوة بإستيراد تجربة الإتحاد الإشتراكي العربي الى العراق أصبح في نظر الشيوعيين قائد تجربة تقدمية لا تستحق الدعم والمساندة فحسب بل وحتى الإنخراط فيها فقد رحب الشيوعيون بتأسيس الإتحاد الإشتراكي الذي إعتبروه خطوة هامة وأساسية لتوحيد القوى الوطنية وطرحوا في تنظيماتهم الداخلية فكرة حل الحزب وإندماجه في هذا التنظيم الموحد أسوة بشقيقه المصري " خط آب 64 " لولا أن التجربة سرعان ما فشلت بخلافات القوميين العراقيين وإنفراط عقد الإتحاد الإشتراكي في العراق  وعارف كان رئيس جمهورية الإنقلاب الذي أطاح بسلطة حليفهم وعرضهم لحملة دموية قاسية ، وبجانب الإشتراكية كانت قضية الوحدة التي رفعها البعثيون في العراق شعارا لجمع الأنصار وإسباغ ضرب من الشرعية على صراعهم مع الطرف الآخر لم يكن مصيرها بأحسن حالا من مصير الإشتراكية فقد عجز البعثيون عن إنجاز أدنى خطوة في طريق الوحدة لا مع القيادة الناصرية التي وقعوا معها ميثاقا للوحدة ولا مع سوريا الجارة المحاددة للعراق مع أن حزبا واحدا بقيادة واحدة حكم البلدين في نفس الفترة ثم بعد ذلك كانت العداوة بين النظامين المحكومين بعقيدة البعث اشرس حتى من عدائهما مع ما يسمونه الإمبريالية والصهيونية  .

ولعل من أكثر الأمور إثارة أن الشريكين في الإنقلاب على النظام الملكي ركبا مطية الحزبين في صراعهما على السلطة الذي إنفجر بعد أيام قليلة من نجاح إنقلابهما وقد إندفع الحزبان بكل حماس يدافعان عن هذين الضابطين في صراعهما من أجل حيازة كلية للسلطة ثم حينما تنتهي المهمة فإن أول من يتم التنكر له هو الحزبان نفسهما هكذا كان الحزب الشيوعي منبوذا في عهد قاسم الى الحد الذي إصطنع فيه حزبا بديلا بنفس الإسم وذيل طلب الإجازة للحزب الأم بكلمة عملاء ووجه عارف بدوره ضربة قاصمة لحزب البعث وكلاهما قد أعرض عن رؤية الجرائم والإنتهاكات التي إرتكبت بحق مواطنين عزل أو سياسيين خصوم ثم إتخذ من هذه الجرائم التي تمت لتقوية نظامه ذريعة لمهاجمة الحزب الحليف ولم يخلو الصراع بين الحزبين من خلفية إثنية أو طائفية ولكن بعيدا عن الشعارات الفخمة المرفوعة في مختلف مراحل الصراع بين الحزبين كانت السلطة هي الهدف ولا هدف غيرها سوى أن الحزب الشيوعي كان مقيدا في سعيه نحو هذا الهدف بقرار الشقيق الأممي وعندما حاول زعيم الحزب سلام عادل أن يشق طريقه الخاص فإنه لقي التوبيخ والنفي وإعادة التأهيل لمدة عام في موسكو وسبق ذلك إجباره بذل على أن يقدم أمام تنظيمات الحزب التي جمعت على عجل إعترافا مشفوعا بالإقرار بالخطأ بمسؤوليته عن الموجة اليسارية التي إجتاحت البلاد وما رافقها من جرائم إعتبرها الحليف في السلطة قاسم بأنها لم يفعلها من قبل جنكيز خان أو هولاكو مع أنها كانت دفاعا عن نظامه وتثبيتا لحكمه فضلا عن الأهداف المتضافرة الأخرى وخاصة ما يخدم الحركة القومية الكردية بينما لم يكن حزب البعث طليقا في السعي نحو السلطة وإنما كان يلقى الدفع والتشجيع من قيادته القومية التي أرادت أن تسجل إنتصارا في الساحة العربية بعد إجبارها على حل الحزب عند قيام الوحدة بين مصر وسوريا وبعد أن أنجر الحزب المهمة بإسقاط نظام قاسم وتولية شريكه السابق عارف سدة الحكم فإن الحزب هو الآخر تحمل من الشريك في السلطة الإتهام بأنه قد إرتكب من الجرائم ما لا يغتفر مع أن تلك الجرائم قد أزاحت من طريق عارف أشد خصومه ومهدت له الطريق للإنفراد بالسلطة بعد طرد الشريك الحزبي منها .
لقد كان شعار الإبادة الذي تبادله الطرفان يوم الثامن من شباط يشي بأن المعركة بالنسبة لكليهما كانت معركة حياة أو موت ولا طريق وسط بينهما و إن قراءة غير متحزبة لتلك التطورات ودوافعها وغاياتها تثبت بأن الأمر ما كان ليتغير لو أن الأدوار قد إنقلبت إلا في مفردتي الجلاد والضحية والإمساك بالسلطة التي تحقق نفس الغايات وتوصل البلاد وأهلها في ظل عقل شمولي وثقافة إقصائية وتعصب مجتمعي الى نفس النتائج  سوى بعض التغييرات النسبية التي يلعبها دور الفرد في التاريخ .
* كاتب وناشط سياسي