نسخة من المقال للطباعة fb

اعادة قراءة تاريخ : متى تحول الحزب الشيوعي العراقي الى اداة سيطرة استعمارية ؟

22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 , بقلم عبدالامير الركابي

من المشكلات التي تحول دون ، تبلور حركة يسار مطابقة للحظة التاريخية الحالية في العراق ، استمرار بعض اليساريين على اعتماد قراءة مضللة وخاطئة لتاريخ الحزب الشيوعي العراقي ومساراته ، والدور الذي لعبه ، خاصة في الفترة التي اعقبت ثورة تموز 1958 . وغالبا مايقع هؤلاء تحت سطوة الحماسة ويردد ون اقوالا وشعارات ، تنتمي الى نفس رؤية التيار الذي انهى الدور الجماهيري والوطني للحزب بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 . وتحديدا وعمليا منذ عام 1963 ليصبح حزبا مرتبطا بالمخططات الدولية ، ويسهم في فرض سياسات وظيفتها لجم التطلعات الشعبية ، وبالاخص اخراج الحزب من موقع التعبير عن الواقع وعمق وراديكالية النزوع الوطني ، ووضعه في تساوق مع مقتضيات وارادة القوى العظمى ومصالحها، وماتراه وتتفق عليه ، او ماتريد تحاشيه وازالته من مسرح الصراع بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الامريكية .

ومن الافكار المهيمنة على وعي هؤلاء ، الفكرة المبهمة والمثالية المطلقة عن " الحزب " باعتباره اداة فوق المجتمع وخارج الفعل الحي والواقع ، والحقيقة ان هذه الثقافة قد اضرت طويلا جدا بالوعي الوطني ، وولدت جمعا غير قليل وشريحة واسعة من الطاقات الثقافية والفكرية ، يتسم تكوينه بنقص فادح يقوم على تقديم " الحزبية " على " الوطنية " ، لابل اختصار الوطنية بالحزبيه ، فالوطني الاكثر صفاء واخلاصا بالنسبة لهؤلاء هو الاكثر شيوعية ، الا ان هذه الظاهره لاتخص الشيوعيين لوحدهم . فالعراق شهد حالة من تجزئة الرؤية الوطنية ، واختصارها بالحزبية ، منذ العشرينات . فالقومي او البعثي هو الوطني الصادق ، والاسلامي هو المؤمن الاكثر وطنية ، وهكذا .

ولم يكن بروز تلك الظاهرة ورسوخها في الحياة الوطنية ضارا على طول الخط . ففي الاربعينات والخمسينات وصولا الى ثورة 14 تموز 1958 ، كانت الظاهرة آنفة الذكر لاتتنافى مع زخم الحياة ، بل اسهمت بقوة في تحفيزها واثرائها ، ومع ان ظهور التيارات، الماركسي والقومي والليبرلي من عباءة جعفر ابو التمن و" الحزب الوطني " ، وخروجها تباعا من حزب الوطنية العراقية الجامع ، قد ذهب بالحركة الوطنية وتياراتها الرئيسية الى التجزؤ ، الا ان ذلك التطور كما ظهر فيما بعد قد أدى دورا ايجابيا ، وساعد على اكساب الحركة الشعبيه ، والنضال الوطني ، صفة الديمومه والشمول ، وازال عنها علة الموسمية والتقطع ، ليجعلها من ثم أكثر حضورا وفعلا وراديكالية .

والاهم من كل ذلك ، هو التوافق مع واقع وطبيعة وخاصيات الحركة الجماهيرية والشعبية ، وهذا ماسيكون الفارق الحاسم ، بين مرحلتين وطورين من اطوار وتاريخ تلك الاحزاب ، او الحركات التي تمثل الوطنية العراقية المعاصرة . فقبل ثورة تموز كان الحزب الشيوعي خاصة بعد 1936 / 1941 اداة تنظيم وتاطير للحركة الشعبيه ، يتأثر بها ، ويحاكي مزاجها ، ويتنسم تطلعاتها واهدافها ، ويعمل على تطوير طاقاتها ، والبحث عن الجوانب المطوية او الدفينة من نبضها . كما أسهم في منحها ماتحتاجة من تجديد في الوعي ، وفي بلورة المواقف والسياسات المناسبة للحظة والظرف . وفي كل هذا كان الواقع الشعبي والجماهيري هو الاساس ، وهو الارضية التي حكمت مسارات العمل الوطني ، لابالنسبة للحزب الشيوعي العراقي لوحده ، بل ولغيره من الاحزاب التي نشأت في تلك الفترة ومنها حزب البعث . والملاحظة التي تغيب عن المتابعين والدارسين بما يخص الحركة الوطنية العراقية ، ومراحل تطورها على الاجمال ، ظاهرة التغيير والتحول التي لحقت بالحزبين الاكبر والاكثر تاثيرا في الواقع وعلى مستوى السلطة . فحزب البعث هو الآخر ، عرف حقبتين من تاريخه ، كانت الاولى السابقة على ثورة تموز ، ذات نكهة شعبية وجماهيرية ، وتميزت بمحاولة التناغم مع التطلعات الشعبية العامة ، بينما تحول لاحقا وبعد الثورة الى حزب سلطة ، وجرى تحويره الى ان فقد اية فعالية نابعة من الواقع الشعبي الحي ، بعد ان صار تابعا ومستخدما من قبل مجموعة من الاشخاص الحاكمين يستعملونه كاداة لتامين عملية اختراق المجتمع ، وضمان أحكام الرقابة عليه وقمعه .

ان نزعة تأليه الحزب ، او معاملته كمخلوق يعيش خارج الواقع ، هي ثمرة قصورخطير يعاني منه الوعي الوطني العراقي ، فغياب الرؤية الوطنية الشاملة ، مايزال يمثل النقص الاكبر في تاريخ وواقع العراق الحديث والمعاصر . فمسار تشكل العراق ومراحل تطوره التاريخي ، لم يصل بعد الى الحقبة الاعلى من تبلوره وتكامل رؤيته الوطنية . وخلال المرحلة التاريخية الممتدة من عام 1920 / 2003 سادت مفاهيم مستعارة / غربية / ، استعملت لتجسيد الوطنية العراقية ، وكانت كلما تبين انها عاجزة عن اداء المهمة المنوطة بها ، تميل الى رفض الواقع ، وتهرب من مواجهته ، وتحول عجزها عن محاكمته والتناغم معه ، الى نكران له ولحقائقه . ومن هنا يطل المدخل الى التصادم مع الواقع والافتراق عنه ، ومن هذه البوابة يتسع تبني المفاهيم التي تباعد بين المجتمع والحزب ، ويتوسع مدى ومجال التمسك بها ، ليصبح التعالي على الواقع او الهرب من الحقائق الحية والمعاشة ، عاما ، ويتبناه المعارضون والموالون للحزب معا .

لنأت بمثال تاريخي معروف ، ففي الكونفرنس الثاني للحزب الشيوعي الذي انعقد في عام 1956 اتخذ المجتمعو ن وعلى راسهم سلام عادل ، سكرتير الحزب في حينه قرارا بتبني " الاسلوب السلمي في النضال " ، وقد انفض الكونفرنس قبل فترة وجيزة من العدوان الثلاثي على مصر ، وانفجار انتفاضة الشعب العراقي ضد العدوان وتاييدا للشعب المصري ومقاومته ، ولجوء القوات الحكومية العراقية لاستخدام القوة ضد المنتفضين ، الامر الذي جعل الجماهير المنتفضة تلجا من جهتها الى بعض الاساليب العنيفة . ويومها وقف الحزب بين خيارين ، الخيارالذي يفرضه المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفيتي ، اي نهج خروشوف الذي تقرر بناء عليه وبموجبه ماقد اتخذه الكونفرنس الثاني في حينه من موقف سلمي من جهه ، والموقف الجماهيري الناشيء في غمار لحظة محددة من الجهة الاخرى . ومن المعروف ان بيانا صدر عن الحزب وقتها خارقا مفاهيم خروشوف ، ولاغيا لقرار الكونفرنس الثاني . ويقال بان سلام عادل هو الذي اصدر البيان المذكور ، واباح فيه اللجوء لكافة الوسائل بما فيها استعمال العنف ، متحملا المسؤولية فرديا ازاء قرار صادر عن اعلى هيئة حزبية . وبهذا اختار الجماهير والحركة الشعبية العراقية ومزاجها ، لاموقف المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي . وهنالك من يرون بان تلك الحادثة بالذات ، قد اسست لموقف معين من سلام عادل ، عاد وتطور لاحقا ، وادي في مجرى احداث وتطورات كثيرة ، الى تصفيته كما صفي من قبله مؤسس الحزب فهد للسبب نفسه ، وبقرار من السلطات البريطانية لاعلاقة له باية اسباب وجيهة او قانونية ، ففهد اعدم فقط لانه اوجد قوام الحزب السري ، ولانه كان الاقدر على جعله اداة تعمل على تطوير الحركة الجماهيرية ، واستطاع ان يقود اول واهم انتفاضاتها الكبرى عام 1948 وهو في السجن .

قبل الفترة الفهدية ، كان الحزب تحت نظر اجهزة الحكومة على ضعفها ، وتمكنت من اختراقه والتحكم به حتى عام 1936 فجماعة بغداد كانت تقع دائما في الفخاخ ولم تتمكن على الاطلاق من اقامة حزب سري يعمل بارادة ذاتية ، والفترة 1936 / 1941 اي الفترة الفهدية ، هي التي جعلت مثل هذا الحزب يقوم مع انتصار جماعة الناصرية ، وسيادة اسلوبها ومنطقها وطريقة عملها وانضباطها وحسها الشعبي . لقد اسس حزب الشيوعيين العراقيين اثنان ، مسيحي هو يوسف سلمان ورجل من اصول افريقية / اي عبد / من بقايا ثورة الزنج ، هو غالي زويد ، بينما عجر كل المثقفين والافندية في بغداد هم وعنعناتهم عن اقامة تنظيم يمكن نسبته الى ماكان يجب ان يتحلى به الحزب الشيوعي في حينه . واعدام فهد كان المستهدف من ورائه فعليا هذا النهج بالذات : اي اقامة حزب غير قابل للاختراق من اجهزة السلطات من ناحية ، وجعله حزبا متناغما مع المطامح الشعبية والوطنية العامة من جهه ، ووقتها توالت النكسات والضربات ، التي كان من حصيلتها ان خضع الحزب لهيمنة الشيوعيين الاكراد ، وهي فترة اضطراب وفوضى 1948/ 1955 الامر الذي لم يكن مقدرا له ان يطول في حينه ، بسبب قوة الزخم والحضور الشعبي الكاسح للنضال في المناطق العربية ، الامر الذي جعل وصول سلام عادل الى سكرتاريا الحزب بمثابة ضرورة ، بعد ان كان مبعدا الى الفرات الاوسط، واخرج من اللجنة المركزية على يد حميد عثمان بتهمة " الانحراف اليميني " / يقترب سلام عادل من فهد من حيث الانحدار الاجتماعي وهو معلم بسيط ومارس في بداية الخمسينات مهنة بيع اللحم المشوي " الفشافيش " وفهد مارس اعمالا متواضعة عديدة / .

بعد ثورة تموز، لم تعد مشكلة الشيوعيين تخص الجهات المحلية او السلطات العراقية ، فقد تحولت الى معضلة دولية مع تعاظم احتمالات صعود الشيوعيين للحكم في العراق ، الامر الذي كان سيقلب الاوضاع في منطقة الشرق الاوسط رأسا على عقب ، مما استوجب انتباها غيرعادي من قبل القطبين ، واستدعى مساومات دولية لاطفاء مصدر توتر عالمي يخرج عن السقف المتفق عليه بين القطبين الرئيسيين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة . وبما ان البحث في هذا الجانب يطول وهو يستوجب من التوسع الكثير ، فسنحاول التاكيد فقط على ظاهرة القوى والتجارب التحرريه غير القابلة للضبط ضمن السقف الامبريالي . فعلى العكس مما يعتقد الكثيرون هنالك مناطق من العالم لم تتمكن بنية الامبريالية والاستعمار العالمي من اخضاعها ، وهنالك مثلا بعض البلدان مثل الهند والصين لم تتمكن البنية الاستعمارية من احكام السيطرة عليها وتعطيل نموها ، وليس من الصحيح الاعتقاد بان الامبريالية العالمية قادرة على فرض الهيمنة الكاملة على كل المعمورة من دون استثناء . وهذه قضية نظرية سوف نحاول تناولها لاحقا ، انما مانريده الآن على وجه الحصر هو ان نلفت النظر الى ان العراق ، وعبر مسار تاريخه الحديث ، قد تميز عموما بعدم الرضوخ للسقف الاستعماري ، وكان يميل بقوة الى خرق ذلك السقف والتفلت منه ، صحيح انه لم يتمكن مثل الهند والصين من عبور الهيمنه الاستعمارية الى التحول الراسمالي ، الا انه كان ومايزال يبلور مسارا وتجربة من هذا النمط ، مختلف عن كثير من التجارب التحررية في العالم . وبسبب الموقع ونوعية الثروة التي يحتويها ويطل عليها ، فلقد استدعى العراق دائما اهتماما غير عادي من قبل قوى ومراكز السيطرة العالمية ، ومنها طبعا القوتين العظميين اللتين كانتا سائدتين عالميا قبل عام 1991 .

بضوء هذا التقدير ، يمكننا ان نقرا تحولات كل من الحزب الشيوعي وحزب البعث بعد ثورة تموز ، فهذان الحزبان اخضعا لعملية مديدة من التحوير المناسب ، بحيث امكن تحويلهما الى قوة ضبط للحركة الشعبية ، وانقلاب 8/2/1963 واعدام سلام عادل ، يقع مباشرة في هذا السياق ، عندما تم وقتها الامساك برقبة الحزب ، وجيء بسكريتير للجنة المركزية متناغم تماما مع اغراض السيطرة القطبية ، يعاونه في مهمته شخصان ، احدهما كان من رفاقه الصغار ايام " راية الشغيلة " في الخمسينات هو " ع .ص " والثاني من نمط المافيا ، المهيأ للتعامل مع المخابرات الدولية ، ويتمتع بشهرة واسعة هو " ف . ك " ، وهؤلاء هم منفذوا سياسة السيطرة ، ضمن ادارة وخطة القوتين الكبريين ، لقد تحول المشروع المذكور في وقت لاحق ، الى خدمة مصالح القوة العظمى الوحيدة ، بعد عام 1991 وانهيار الاتحاد السوفياتي .

الشيء الذي يثير الانتباه في هذه الحقبة الطويلة من التاريخ المخالف لخاصيات حركة التحرر الوطني العراقية . هو عدم تمخضها كما كان يحدث عادة ، عن ردود افعال مناقضة ، تؤدي الى دحرها والغائها . فقد عاش العراق عقودا طويلة وهو يرزح تحت سطوة دولية استعمارية من نمط خاص ، تستند داخليا اي عراقيا ، على دور الحزبين الوطنيين الاكبر في البلاد بعد تحويرهما ، وهذه خاصية في التاريخ التحرري ، وفي تاريخ العراق الحديث والمعاصر ، تميزها عن سواها ، والتفاصيل لاتحصى ، وللبحث صلة

نسخة من المقال للطباعة fb